فصل: أسئلة وتعقيب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوصايا العشر للعاملين في حقل الدعوة إلى الله **


الوصايا العشر

للعاملين بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وعبده وبعد‏:‏

فإن هذه الرسالة قد كانت محاضرة ألقيتها في المخيم الربيعي الذي أقامته جمعية إحياء التراث الإسلامي -بالكويت ‏(‏المنطقة العاشرة‏)‏ الإثنين 28 جمادى الأولى سنة 1408هـ الموافق 8/1/1988م- ولأن هذه المحاضرة قد كانت ثمرة قلب، وخلاصة تجربة في الدعوة، استمرت بحمد الله نحواً من ثلاثين عاماً، أحببت أن أنقلها كتابياً لإخواني المسلمين في كل مكان لما أرى لها من أهمية بالغة، وفائدة كبيرة أرجوها لإخواني الدعاة إلى الله‏.‏

ولما كانت هذه المحاضرة قد ألقيت ارتجالياً خاطبت فيها العامة، فإنني اضطررت عند نقلها كتابياً أن أغير ما لابد منه من ‏(‏ألفاظ عامية‏)‏ لتكون مناسبة للقراءة، ولكن بقي طابعها العام ومخاطبتها لجمهور الناس‏.‏

وإني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العمل لوجهه خالصاً، وأن يرزقني حبه ورضوانه، وأن يوفِّق إخواني الدعاة في كل مكان إلى التزام صراطه المستقيم، واقتفاء أثر رسوله الكريم‏.‏

وأن يستعملنا في طاعته على النحو الذي يحبه ويرضاه، إنه هو السميع العليم‏.‏

عبدالرحمن بن عبدالخالق

الكويت الثالث من رجب الحرام سنة 1408هـ

الموافق 20 من نوفمبر سنة 1988م

 افتتاح وبدء

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد‏:‏ فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار‏.‏

مدخل

نحن نتمنى بحمد الله تعالى إلى أمد الهداية الأمة المختارة من الله سبحانه وتعالى لحمل رسالة السماء، الرسالة الخاتمة، رسالة محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه، والدعوة إليها والتبشير بها إلى يوم القيامة، وهذه الأمة المهتدية قد مرت عليها أيام سعد وعز ونصر وتمكين لما قامت بهذه المهمة، التي جعلها الله السبب والسبيل إلى هذا النصر والتمكين، أعني لما قامت بالإسلام أعزها الله سبحانه وتعالى، ثم مرت عليها أيام محن وألام ومصائب، وذلك لا شك قد كان بسبب تركها لهذه المهمة العظيمة‏:‏ مهمة الإيمان بالله والدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحالنا اليوم لا يخفى على عاقل، وأنتم بحمد الله أهل الإيمان وأهل الإسلام من أهل العلم والفطنة لا يخفى عليكم ما الحال التي آلت إليه الأمة، وبالتالي لا نطيل في ذلك، بل نركز الكلام في القواعد التي يمكن بها أن تبعث الأمة من جديد، وأن تعود كما كانت، تتسلم راية الله عز وجل لتكون خير أمة أخرجت للناس، سأركز إن شاء الله في عشر نقاط أرى بحكم تجربتي أن هذه النقاط لو أخذت بها الأمة فإن النتيجة الحتمية بحول الله تبارك وتعالى وقوته هي العز والنصر والتمكين، والفوز برضوان الله بالآخرة، والسعادة والفلاح، وهذه الوصايا العشر سأسند كل وصية فيها إن شاء الله إلى دليل من كتاب الله أو سنة نبيه صلوات الله عليه وسلامه، وكذلك وقائع السير والتاريخ، وسترون إن شاء الله أن هذه النقاط العشرة من البديهات، ولكنها للأسف تغيب عن كثير من المسلمين العاملين في حقل الدعوة، بل عموم المسلمين قد لا يهتمون بشؤون الدعوة إلى الله تبارك وتعالى‏.‏

 الوصية الأولى

البدء بدعوة الناس إلى تحقيق غاية وجودهم‏:‏ عبادة الله وحده لا شريك له

أول محطة في طريق الدعوة أن نستطيع أن نقول‏:‏ إنها نقطة المنطلق، لابد أن نعرف غاية الخلق وسر الوجود، وهذه النقطة قد فصَّلها الله تفصيلاً كاملاً في كتابه، وبينها النبي بياناً كاملاً، وهي النقطة التي يدور عليها عمل الرسالات جميعاً، بل ما أقيمت السماء ووضعت الأرض إلا من أجلها، وهي باختصار‏:‏ عبادة الله تبارك وتعالى وتوحيد الله عز وجل، فالله ما خلق الخلق إلا ليعبدوه، الخلق كله بعلوه وسفله‏:‏ سماواته وأرضه، ملائكته، وإنسه وجنه، ما خلق الله شيئاً إلا ليكون هذا الشيء عبداً له ومؤتمراً بأمره ومنفذاً لحكمه، ومشيئة الله تبارك وتعالى نافذة في كل خلقه سواء كان كافراً أو مؤمناً‏:‏ ‏{‏أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون‏}‏ لا خروج لأحد عن دين الله عز وجل، حتى الكافر فهو في دين الله، وفي حكم الله، وفي قهر الله، وفي جبروت الله، وفي قبضة الله سبحانه وتعالى، لا انفكاك لأحد منا عن حكم الله وتصريفه، فتصرف الله في الكائنات نافذ، وأمر الله عز وجل الكوني القدري لا رادّع له، السموات والأرض مسلمة لله عز وجل، والكافر مسلم رغماً عنه‏:‏ بمعنى أنه لا ينفك عن قضاء الله وقدر الله فهو يولد بأمر الله، ويمرض بأمر الله، ويموت بأمر الله، ويرزق برزق الله، وكل ما يعمله إنما هو بمشيئة الله عز وجل‏:‏ ‏{‏والله خلقكم وما تعملون‏}‏ ‏{‏ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم‏}‏ ‏{‏ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون‏)‏، يعني لو شاء الله ألا يفعل الكفار كفراً لما فعلوا، فهذه القضية الأساسية‏:‏ أن الله عز وجل ما خلق الخلق إلا ليعبدوه، وأنه سبحانه شاءت حكمته أن يصطفي من البشر من يعبده، ويكرمه الله بهذه العبادة، ويرشده إليها ويوفقه إليها، وأن الله شاءت حكمته أن يكون هناك المتأبي على الله الذي لا يتبع هذا المنهج ويعارضه، ويكون مصيره الخذلان والنار، وهذه مشيئة الله النافذة‏:‏ ‏{‏هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن‏}‏‏.‏

فهذه النقطة ينبغي أن تكون هي المنطلق الأول في الدعوة إلى الله عز وجل‏:‏ الانتماء إلى هذه الأمة التي أوجدت لمهمة وهي‏:‏ أن تدعو إلى عبادة الله التي من أجلها خلق الله السماوات والأرض، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وقامت المعركة بين الكفر والإيمان، والهدى والضلال‏:‏ كل هذا من أجل هذه الكلمة ‏{‏قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ إنما إلهكم إله واحد‏}‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏، فالوحي يصيب في هذه النقطة ويبدأ من هذه النقطة ‏{‏قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏}‏، وبالتالي الأمة الإسلامية‏:‏ يقولون عنها ‏(‏أمة الفكرة‏)‏ يعنون أمة العقيدة، والمعنى أن تجمع هذه الأمة ليس على أرض، ولا على وطن، ولا مبدأ اقتصادي كشيوعية ورأسمالية، ولا على نظام اجتماعي وسياسي كديمقراطية وغيرها، التجمع على أساس لا إله إلا الله، هذا هو نبينا محمد صلوات الله عليه، هذا أول المسلمين كيف اجتمع الناس إليه، هل قال لهم‏:‏ أنا عربي، هلموا إليَّ، أو أنا قرشي وليأتني كل قرشي، أو نحن أهل الجزيرة فلنتكتل على أساس أنَّا أهل الجزيرة ‏(‏‏.‏‏.‏‏)‏ كلا إنما بدأ الدعوة بلا إله إلا الله، وانضم إليه من آمن بهذه القضية، فأصبح صاحباً له وأخاً للنبي على هذا الأساس، فقام نظام المولاة والمعاداة على هذه القضية‏:‏ فمن دخل حزب النبي صلوات الله عليه دخل حزب الله ‏{‏ألا إن حزب الله هم المفلحون‏}‏ من دخل في هذا الحزب دخل على أساس هذه الكلمة، ومن خرج من هذا الحزب، كان كذلك من أجل هذه الكلمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم حدد موقفه من القرشيين ومن العرب ومن غيرهم على هذه الكلمة، وبالتالي ينبغي أن نفهم أن المنطلق لغز الأمة إنما هو الاجتماع على عقيدة يسميها الناس بلغتهم ‏(‏الفكرة‏)‏، ونسميها العقيدة، هذه أمة العقيدة، أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، نجتمع على هذه الكلمة ونفترق على هذه الكلمة، فالاجتماع والافتراق والموالاة والعمل كله، والمنطلق كله، من هذه القضية، وبالتالي هذه هي النقطة الأولى‏.‏

إذن الخطوة الأولى نحو عز الأمة ونصرها وتمكينها في الدنيا، ثم سعادتها في الآخرة وفوزها برضوان الله عز وجل ينبغي أن تكون من لا إله إلا الله، أي تجمع ينبغي أن يكون على هذه النقطة الأساسية، والعمل في البداية عليها، ولا شك أن تحت هذه الكلمة علم عظيم وهو أن لا إله إلا الله ليس بالمعنى، الذي نصوره نحن ونخترعه نحن ونتخيله نحن، إنما بالمعنى الذي أراده الله وبينه الله عز وجل، ووضحه الله، وذلك أن كثيراً من الناس يدَّعي الإيمان بلا إله إلا الله حتى الهنادك يقولون لا إله إلا الله يعني أن لكل هذا الكون إله ورب واحد ويقولون نحن من أهل التوحيد أهل لا إله إلا الله‏.‏

ومعلوم أنهم من أكثر الناس نجاسة وشركاً، لأنهم يعنون بالإله وحدة الوجود‏.‏

وقد اختلف المسلمون أيضاً في مفهوم لا إله إلا الله اختلافاً بعيداً‏:‏ فبعض هؤلاء المسلمين عندهم أن الرب معنى لا حقيقة له، ولا يوصف بأن له عُلواً كما جاء في الكتاب والسنة، يقولون ‏(‏هو لا فرق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف ولا داخل هذا العالم ولا خارج هذا العالم‏)‏، ولا يوصف عندهم بصفة ثبوتية بتاتاً، والمستوى على العرش عندهم هو جبريل، ويقول بعضهم هو النبي محمد عليه الصلاة والسلام، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فيجب أن نؤمن بالله بالصفات الموجودة له سبحانه في كتاب الله والموجودة في أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ أعني أن يكون التوحيد بحسب مواصفات الكتاب والسنة، وليس بحسب ما يتخيله الجاهلون‏.‏

فالله هو الرب الرحمن الرحيم، العزيز الكريم المستوي على عرشه سبحانه وتعالى، الذي بيده مقاليد كل شيء، والذي لم يقم آلهة تعبد من دونه، فلم يأذن بهذا ولم يرض بهذا سبحانه وتعالى، الرب السميع العليم المراقب لحركات عباده الذي لا يغفل ولا يسهو عن شيء من فعل خلقه وعباده سبحانه وتعالى، ولا يرضى سبحانه أن يُعَقَّب على أمره ونهيه، فنؤمن بالرب على هذا النحو، ليس الرب الذي يُزعم أنه ترك الناس هملاً ليتخذوا من المناهج ما شاؤوا ويدعوا من كلامه من شاؤوا، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً‏.‏

ليس هذا هو رب المسلمين، لأن الله عز وجل في حكمه وفي صفاته لا يرضى أن ينازع الأمر سبحانه، هل يقول ‏:‏ افعل ويأتي مخلوق ويقول‏:‏ لا تفعل، ثم نطيع ذلك المخلوق‏!‏‏!‏ الرب لا يرضى هذا، ليس هذا من صفاته، فالذي يعبد رباً على هذا الأساس يعبد رباً من انتحاله هو، ومن فهمه هو، وليس هو رب العباد سبحانه وتعالى، رب العباد حقاً هو الذي يقول عن نفسه‏:‏ ‏{‏والله يحكم لا معقب لحكمه‏}‏{‏إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏‏.‏

إذن لابد من فهم هذه القضية كما بيَّنها الله في كتابه وفي سنة نبيه‏:‏ هذه قضية ونقطة لا أطيل فيها وإن كانت هي في ذاتها تحتاج إلى إطالة‏.‏

ولسنا في مقام التفصيل وإنما القصد الإجمال حتى لا يشط بنا المقام‏.‏

 الوصية الثانية

توحيد الصراط‏:‏ يجعل الكتاب والسنة مصدراً للتشريع واتّباع سلف الأمة

ورد كل خلاف إلى كلام الله وكلام رسوله

إنه لابد من توحيد الصراط، فالأمة التي تريد أن تعتز وتنتصر لا بد أن يكون صراطها واحداً، بمعنى أن يكون منهجها وطريقها واحداً، ما معنى المنهج والطريق‏؟‏ يعني السنن العملية في الحياة، كما ينبغي أن يكون التشريع واحداً كذلك، وهذا الذي نقوله ونطلبه في صلاتنا إذ نقول‏:‏ ‏{‏اهدنا الصراط المستقيم‏}‏‏.‏

الصراط‏:‏ الطريق ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله‏}‏‏.‏

والنبي صلى الله عليه وسلم خط خطاً وخط بجانب هذا الخط المستقيم خطوطاً متعرجة فقال‏:‏ ‏[‏هذا صراط الله مستقيماً، وهذه السبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه ثم تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله‏}‏‏]‏‏.‏

ما معنى الصراط‏؟‏ الصراط منهج عملي كامل، بمعنى أنك في الأربع والعشرين ساعة تعمل، تعمل أشياء كثيرة، قيامك من النوم وطهورك وصلاتك وخروجك من منزلك وسعيك لمعاشك، وتربيتك أولادك، ومعاشرتك لجيرانك، وزوجتك، والناس وتعاملك، وكلامك، وأخذك، وبيعك، وعطاؤك، وما تقابله من نعيم في هذا اليوم وما تقابله من محن ومشكلات، المنهج العملي الكامل هو مجموعة التصرفات كلها، لا يوجد تصرف من تصرفات الإنسان ليس لله فيه حكم ‏{‏ما فرطنا في الكتاب من شيء‏}‏ ‏{‏ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء‏}‏‏.‏

فما من تصرف للإنسان على هذه الأرض إلا ولله فيه حكم، فيقول لك هذا مباح فاعمله، وهذا واجب لا بد أن تؤديه، أو هذا حرام إياك أن تفعله، أو هذا مندوب إن شئت فعلته فلك أجره، أو هذا مكروه الأولى لك أن تتركه، فأعمال المكلفين تقع ضمن أحكام تكليفية، ما ينفك المكلف عن حكم الله، هذا معنى الصراط، الصراط هو المنهج العملي فالدين صبغة كاملة‏:‏ كيف تتصرف تجاه الله سبحانه وتعالى، تجاه النبي، تجاه المؤمنين، تجاه الكفار، تجاه الزوجة، تجاه الأولاد، تجاه الناس، لا يوجد تصرف من هذه التصرفات إلا وفيه حكم، وبالتالي لابد أن يكون لنا تصرف واحد، فإذا قال المؤذن‏:‏ حي على الصلاة‏:‏ فنتوجه جميعاً إلى الصلاة، وإذا رأينا المنكر تشمئز منه قلوبنا، كلنا نشمئز من هذا المنظر، ونحاول إنكاره بما استطعنا، إذا حلت بنا مصيبة وقفنا منها موقفاً واحداً‏:‏ الصبر والتسليم لأمر الله والتصرف بما أمر الله سبحانه وتعالى، هذا إذا كان تصرفنا واحداً‏.‏

ولكن إذا كنا مختلفين في العقيدة تصرفنا تصرفاً مختلفاً، فإذا قال المؤذن‏:‏ حي على الصلاة‏:‏ فواحد يكره هذا ويولي ظهره وآخر يلبي النداء، إذا رأينا منكراً، أحدنا يستحسن هذا، وآخر يستنكره، وإذا رأينا امرأة عارية في الطريق فواحد يستحسن هذا، ويشجع هذه ويأمر به، وآخر يلعنها ويسبها، ويقول لها‏:‏ لعنك الله، لقد خالفت أمر الله وأمر الرسول وتستحقين اللعن، وهكذا يكون تصرف أمام المنكر مختلفاً، فلا بد من توحيد الصراط في العمل، وكذلك في المنهج التشريعي‏:‏ صلاتنا واحدة، وصيامنا واحد، فقهنا واحد، ما أمكن بالطبع، توحيد الصراط، وهذا بلا شك لا يعني التطابق التام في كل صغيرة وكبيرة، لأن في قضايا الإسلام كما ذكرنا صبغة عامة، ولا يمكن أن يتطابق المسلمون حول كل تصرف من التصرفات، وبالتالي لا بد أن يكون هناك اختلاف في بعض القضايا الاجتهادية، لكن الله تبارك وتعالى أرشدنا فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً‏}‏‏.‏

سيبقى عندنا إذا اختلفنا مركز اللقاء في كلام الله وكلام رسوله، يكون هذا هو المرجع، لا عقلي ولا عقلك ولا عرفي ولا عرفك، ولا أخلاق قبيلتي وأخلاق قبيلتك، إنما المرجع إذا اختلفنا هو كتاب الله وسنة نبيه محمد عليه السلام، كل أحد بعد النبي يؤخذ من قوله ويرد عليه، هذا هو المنهج كما قال الإمام مالك‏:‏ ما منا إلا وقد رد -أي على غيره من العلماء- ورد عليه -أي من العلماء- إلا صاحب هذا القبر ‏(‏يعني النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏‏.‏

فالذي يرد على النبي كالذي يقول للرسول‏:‏ أخطأت في هذا الاجتهاد، أو أنت لم تحكم بالعدل في هذا، أو هذا مخالف للمعقول، هذا يكون كافراً بالله، لأن الرسول لا يشرع من عند نفسه، أما غير النبي فيمكن أن نرد عليه ونقول‏:‏ أنت جاوزت الحد في هذا، كلامك في هذا مرجوح، وقولك في هذا مخالف للحق، لا مانع في هذا، ما دمنا نعتقد أن الحكم بيننا هو الرجوع إلى كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏ هذه قضية هامة‏.‏

المسلمون اليوم مختلفون في المنهج التشريعي‏:‏ في مسائل العبادات ومسائل العمل ومسائل الحرام والحلال، لابد من محاولة جمع شمل الأمة الواحدة، لابد أن يكونوا متفقين في هذا، كان الصحابة يتشددون في هذا تشدداً عظيماً جداً، أذكر مثالاً على ذلك‏:‏ عندما اختلف الصحابة‏:‏ هل الغسل من الجنابة هو من الإنزال أو من التقاء الختانين، فقال بعضهم‏:‏ ‏"‏إنما الماء من الماء‏"‏ وجاء عمر رضي الله عنه وحسم القضية وقال‏:‏ ‏"‏سلوا عائشة‏"‏ فقالت‏:‏ ‏"‏إني سمعت رسول الله‏:‏ يقول‏:‏ ‏"‏إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل‏"‏‏.‏‏.‏ فقال عمر‏:‏ لا أسمع أحداً أفتى بخلافه إلا جعلته نكالاً‏.‏ ‏(‏رواه الإمام البخاري‏)‏ والمعنى أنكل به لو أفتى بخلاف ما توصلنا إليه أنه الحق‏:‏ ‏{‏وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم‏}‏‏.‏

فتوحيد الصراط مهم جداً فالصحابة كانوا يختلفون في بعض الأمور ولكن في الأمر الجامع لا يختلفون‏:‏ اختلفوا في قضية الإتمام في السفر، إتمام الصلاة الرباعية، فهذا عثمان رضي الله عنه كان يتم وهو في الحج فأفتوا بخلافه، ولكن عندما كان يقوم للصلاة، كانوا يصلون خلفه أربعاً، فقال بعضهم‏:‏ كيف تفتون أن الصلاة اثنتان وتصلون أربعاً، فقالوا‏:‏ سبحان الله أمير المؤمنين‏!‏‏!‏، والمعنى لابد من اجتماع الكلمة ولا يجوز الخلاف، بل لابد من الاجتماع، وهذا لا يكون إلا بتوحيد الصراط، لا يكون إلا بالتحاكم في كل خلاف صغير وكبير إلى كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأن كل إنسان يأخذ من قوله ويرد عليه وأنه لا عصمة إلا لكلام الله وكلام النبي‏.‏

هذا أمر هام، لأن الله عز وجل يقول‏:‏ ‏{‏ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم‏}‏، لأنه بالتنازع والاختلاف يكون الفشل وذهاب الريح، ولابد من توحيد صراط الأمة وهذا بتعليمها مناهج الإسلام كلها حتى يظهر في الأمة النموذج الكامل للإسلام‏.‏

 الوصية الثالثة

التربية والتزكية هي السبيل لإنشاء الجيل الذي

ينصر الله به الأمة، ويعز به الإسلام

ما معنى هذا الكلام‏؟‏ الإسلام أحكام عظيمة‏:‏

مسائل الإيمان‏:‏

ليس الإيمان بالعلم فقط، وإنما بالعلم والتصديق والإحساس وتشرب القلب، أعني أن الإيمان ليس هو فقط مطلق المعرفة بالله، فلو كان هو مطلق المعرفة بالله لكان إبليس مؤمناً، وكان كل الذين يقرؤون القرآن ويقرؤون السنة مؤمنين، علماً أن القرآن مبذول لكل أحد، يأخذ منه المؤمن والمنافق، بل بعض الكفار عندهم دراسات، وعندهم من علوم القرآن والسنة أكثر بكثير من المسلمين المؤمنين، والحال أنهم بهذه الدراسة ليسوا مؤمنين وإنما الإيمان يقول‏:‏ يقول الله‏:‏ ‏{‏إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً‏}‏‏.‏ فلم يقل سبحانه وتعالى إنما المؤمنون الذي عرفوا الله ورسوله وإنما قال‏:‏ ‏{‏إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم‏}‏ هذا شعور وإدراك وتصديق ‏{‏وإذا تليت عليهم آياته‏}‏ ما قال حفظوها أو فهموها بل قال‏:‏ ‏{‏زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون‏}‏‏.‏

التوكل معروف‏:‏ وهو أن تبذل السبب وتدع النتائج إلى الله، لكن ممارسة هذا في الواقع العملي يختلف، فما كل من عرف هذا مارسه ‏{‏الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون‏}‏، كثير من الناس يعرفون وجوب الصلاة، وقد يعرفون أركانها وحدودها وتشريعاتها ولكن يؤذن المؤذن ولا يصلون، وإذا صلى فليس عنده قلب لإقامة الصلاة، وأعود فأقول ‏(‏تربية على الإيمان‏)‏‏:‏ ‏{‏قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم‏}‏‏.‏

‏(‏لما‏)‏ هذه يسمونها في لغة العرب أداة نفي وجزم، تنفي حدوث الفعل إلى وقت التكلم، والمعنى إلى وقت التكلم لم يحدث هذا، مثلاً أقول‏:‏ الآن جلسنا بعد المغرب للدرس ولما يؤذّن للصلاة، أي لم يحن وقتها بعد فهنا قول الله‏:‏ ‏{‏ولما يدخل الإيمان في قلوبكم‏}‏ يعني للآن ما دخل لكن الإيمان هل عرفوه أم لم يعرفوه‏؟‏ والجواب عرفوه حتماً، لأنهم جاؤوا إلى الرسول وشهدوا بأن لا إله إلا الله وأن محمداً سول الله، وعرفوا شرائع الإسلام، وربنا قال لهم ليس الإيمان بالمعرفة فقط، الإيمان لم يدخل قلوبكم بعد ‏{‏ولما يدخل الإيمان في قلوبكم‏}‏‏.‏

ما معنى هذا‏؟‏ معناه أن الإيمان يحتاج إلى نوع من الممارسة والعمل، وهذا ما أعنيه هنا بالتربية، التربية على الإيمان، لأنه بالتربية يتشرب القلب الإيمان، وكذلك فأعمال الإيمان أعمال كثيرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏[‏الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياة شعبة من الإيمان‏]‏‏.‏

فلكي نستحي مثلاً لابد أن نربي أنفسنا على الحياء، ولكي نعلم الطفل أن يستحي لابد أن نعلمه ونوجهه ونرشده مرة بعد مرة، فإذا رأيناه كاشفاً عورته، نقول له هذه عورة غطها‏!‏‏!‏ وإذا رأيناه يسب من هو أكبر منه، نقول له‏:‏ استح ممن هو أكبر منك، لا تفعل كذا، لا تسأل هذا السؤال‏.‏‏.‏ ممارسة ‏"‏طويلة‏"‏ حتى يتربى على الحياء، وهذه شعبة واحدة من شعب الإيمان، وكذلك كلنا يعلم أن إزالة الأذى من الطريق من الإيمان، لكن هل بمجرد المعرفة ينشط الفرد منا ويكف الأذى عن طريق المسلمين‏؟‏ هذه تحتاج إلى عزيمة وإرادة وتوجه، وبالتالي إلى ممارسة وإلى وقت أيضاً حتى يتشربها الإنسان وبالتالي حتى يصطبغ بها الجيل‏.‏

ليس بمجرد درس يسمعه الناس أو بمجرد دورة مثل دورتنا هذه في المخيم، يخرج منها الناس مؤمنين، نعم يخرج الناس عارفين متعلمين، لكن حتى تصل معاني الإيمان إلى القلوب، هذه تحتاج إلى ممارسة في واقع الحياة، وبالتالي أقول هذه الكلام لأن كثيراً من الدعاة إلى الله عز وجل يريد أن يحول الناس إلى الدين بمجرد جرة قلم من الحاكم وهذا الكلام خطأ‏.‏

وحقاً الحاكم يملك السيف والعصا، ويستطيع أن يوجه الناس إلى الدين بالقهر، وقديماً قال عثمان بن عفان رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن‏)‏‏.‏

هذا صحيح من حيث العموم فأكثر الناس يخشون العصا أكثر من خوفهم من الله، فلو قام الآن حاكم إسلامي يطبق الإسلام ويصدر قانوناً يقول فيه مثلاً‏:‏

شرب الخمر حرام، أو خروج المرأة من بيتها غير محجبة سيوجب القبض عليها، وسيسجن ويحاكم المسؤول عنها، إذا عرف الناس أن الحاكم جاد في تطبيق هذا القانون، فلا شك أنه لن يعصي إلا القليل، هذا أمر معلوم، لا شك أن وازع السلطان عظيم، لكن ما النتيجة لو أن هذا الوازع نُحِّي وأُبْعِد فماذا ستكون النتيجة‏؟‏‏!‏‏.‏

في اليوم التالي سنجد النساء في الطرقات، سيعود العري مرة ثانية، ما اختلف شيء لأن الذي استجاب بالعصا رجع إلى شيمته وإلى خلقه وما تربى ونشأ عليه، هذا الجيل الذي يتحول إلى الإسلام بالعصا والضرب لا يصلح في الحقيقة لعز الأمة، إنه لا يقيم مجد الأمة إلا من كان القرآن وازعه، وبالتالي إلا من تربى على الإسلام، وبالتالي إلا من اختار هذا الطريق‏.‏ ‏(‏ولست بهذا أهون من شأن السلطان المسلم ولا القرار الذي يحفظ الأمة من الفساد، بل السلطان المسلم لا شك أنه يهيئ المناخ الصالح لتنشئة أجيال الإسلام، ويجعل الفساد مقموعاً مخذولاً مختفياً لا يضر إلا فاعله، ولكنني أحب هنا أن أبين أن الذين يتبعون الإسلام إيماناً واختياراً دون خوف السلطان هم الأتباع الحقيقيون والملتزمون الصالحون‏)‏‏.‏ ولذلك أقول وأكرر أن الأمة تقوم على جيل‏:‏ القرآن وازعه، والخوف من الله رادعه، أناس يخافون الله عز وجل بالسر والعلن، سواء أكان سوط الحاكم على رؤوسهم، أو لم يكن، بل يحركهم الدين والخوف من الله ويحركهم الإيمان بالله سبحانه وتعالى، هذا الجيل لا يمكن أن يتأتى إلا بتربية، ولذلك كان من حكمة الله ورحمته بهذه الأمة أن جيل الصحابة تربى التربية الكافية ولو أن الرسول من أول يوم دعا فيه الناس للإيمان جاءته كل قريش فدخلت في الإسلام في يوم واحد، ما تربى ولا خرج رجال، ولكن تأخر النصر إلى ثلاث عشرة سنة والمسلمون في الشدة العظيمة، والتعذيب والقهر والطرد والبلاء، حتى وجد الرجال، وفي السنوات الأخرى التي مكثها النبي في المدينة كانت أيضاً كلها فتن ومصائب لعلها أكثر من الفتن التي تعرض لها المسلمون في مكة، ذلك من أجل إخراج الجيل العظيم المبارك فالرسول نفسه أوذي في المدينة أعظم من الأذى الذي حصل له في مكة، وهذا كلام ليس مبالغاً فيه، بل أنا موقن من هذا، لأن الذي وقع له في المدينة أكبر بكثير من الأذى الذي وقع له في مكة، فالنبي سُبَّ في أهله، وقيل له‏:‏ ‏(‏أبعد عنا نتن حمارك‏)‏، وقيل له‏:‏ ‏(‏لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏)‏، وهذا الكلام في غاية الشدة، فالرسول لم يتعرض لمثل هذا الأذى في مكة ولا أوذي على هذا النحو في مكة، وكذلك قال تعالى للمنافقين‏:‏ ‏{‏أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون‏}‏‏.‏

فُتِنَ المسلمون في المدينة بفتن عظيمة جداً، من أعظمها فتنة الخندق، وفتنة أحد، وكان المجرمون من اليهود من أمثال كعب بن الأشرف الذي كان يسب الرسول ويُشبب بالنساء المسلمات، والرسول في المدينة ومعه السيف، فلا شك أن هذا الجيل ما تربى عبثاً، وإنما تربى على تحمل من المشاق والفتن والمآسي والبلاء العظيم، ومرَّ بتجارب عظيمة صقلته، حتى خرج بالفعل جيلاً عظيماً، وعندما انتصر المسلمون وبدأوا يرتاحون وفتحت مكة، وبدأ نوع من الراحة، أعلن الله لرسوله‏:‏ ‏(‏لقد انتهت مهمتك فاستعد للموت‏)‏ ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً‏}‏‏.‏

قال ابن عباس في هذه السورة‏:‏ ‏(‏نعى الله عز وجل فيها نبيه‏)‏ وكأنه يقول للمؤمنين‏:‏ ‏(‏إن الرسول قد انتهت مهمته فاستعدوا لأن يفارقكم‏)‏ فارقهم الرسول والدولة مستقرة والحمد لله كانت الجزيرة قد هديت، ولكن بمجرد أن تُوفي الرسول بدأت الفتن أكثر مما كانت عليه فقد ارتدت العرب إلا قليلاً، وحصر المسلمون في المدينة، ومر أبو بكر والصحابة بفتن يشيب لها الولدان‏:‏ فتنة الردة كانت من أعظم الفتن‏.‏

وهذا خالد بن الوليد يقول‏:‏ قاتلت فارس والروم فلم أجد قتالاً أشد من قتال بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب حتى أن القراء من المسلمين عملوا شيئاً ما عملوه في أي معركة من المعارك، كان القراء يدفنون أنفسهم حتى لا يفروا، يحفر المسلم لنفسه حفرة لصدره، ويدفن نفسه ويقف فيها كي لا يفر، ويقاتل وهو في مكانه، لذلك قتل أكثر حفظة القرآن واستشهدوا في هذه المعركة، وهذا الذي من أجله قال عمر بن الخطاب لأبي بكر‏:‏ ‏(‏إن القتل استحر في أهل اليمامة وإني أرى أن تجمع القرآن، إني أخاف أن يذهب كثير من القرآن‏)‏ فجمع القرآن كما جاء في صحيح البخاري، ثم جاءت فتن أعظم، فما خلصوا من فتنة الردة إلا وجابهوا أعظم دولتين، وجاء أبو بكر الصديق يقول للمؤمنين‏:‏ نبدأ بفارس أم الروم أم تقاتلون الدولتين معاً‏؟‏ فدخل المسلمون في فتن يشيب لها الولدان، هؤلاء العرب المسلمون بأعدادهم القليلة في ذاك الوقت -كانوا ما بين ثلاثة ملايين وخمسة ملايين- يتوجهون إلى أعظم دولتين في ذلك الوقت، والخلاصة أنه لا يعز الإسلام إلا بجيل قد تربى على الإسلام، وصقلته تجاربه‏.‏

أعود فأقول لابد من اعتماد التربية وسيلة لإخراج الجيل، وكثير من الشباب المتحمس يريد أن يبني دولة الإسلام عن طريق قرار وجرة قلم من الحاكم، ولو كان هذا الحاكم في شعب منسلخ عن الدين، بعيد كل البعد عن الإذعان لمنهج الله، ومآل ذلك إلى أن يتحول الحاكم المسلم قبل هذا الشعب إلى سفاح وجلاد إذا أراد أن يقيمهم على الجادة، أو يسكت على انحرافهم، وهذه مصيبة أخرى‏.‏

* والخلاصة أنه لابد من جيل قد تربى وفق مواصفات الكتاب والسنة بتربية متدرجة ودخل الإيمان فعلاً قلبه، ويستطيع أن يتحمل تبعات الدعوة إلى الله وحمل هذه الأمانة‏.‏

 الوصية الرابعة

تجييش الأمة كلها للدعوة إلى الله، وألا تكون الدعوة مهمة مجموعات

أو أفراد أو هيئات فقط، بل مهمة الأمة كلها

لابد من تجييش الأمة كلها، وأعني بالتجييش أن تكون أمة الإسلام جيشاً واحداً، وهذا لا يتأتى إلا بأن يعلم كل مسلم أنه جندي، وأنه مأمور من قبل الله بحمل هذه الأمانة، وبالتالي واجب الدعوة إلى الله ليس على طائفة معينة، ليس على الحكام وحدهم، أو على العلماء وحدهم، أو على طلاب العلم وحدهم، بل على كل أحد بقدر جهده وبقدر عطائه‏:‏ هذا يجاهد بماله، وهذا يجاهد بكلمته، وهذا يجاهد بنفسه، إذا أصبح الجهاد هاجس الأمة، وكل مؤمن يعتقد بأنه واجب عليه ويتحمل جزءا من هذا الجهاد، إنه لا يقوم للإسلام قائمة والناس قاعدون، وما أقوله هو الذي أراده الله تماماً لهذه الأمة، جميعها أن تكون مجاهدة داعية إلى الله سبحانه وتعالى، ومن أعظم الأدلة على ذلك أن الله هدد بالنار القاعد عن الهجرة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم‏}‏، أي‏:‏ بالقعود في ديار الكفر وعدم تمكنهم من تطبيق الدين ‏{‏قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً‏}‏‏.‏

فهذا الإنسان الذي لم تدفعه عقيدته لأن يترك بيته ووطنه ليعلن ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيم شرائع الإسلام، لا عذر له أن يقول كنا مستضعفين في الأرض‏.‏

الناس تخرج وتهاجر وتترك أوطانها لتكسب الدينار والدرهم، فإنه يجب أن يكون الدين أعز من النفس والدنيا‏.‏

هل عذر الله إنساناً عن التأخر عن الجهاد‏؟‏‏!‏ إلا من لم يستطع بالفعل حمل السلاح، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج‏}‏، هؤلاء هم الذين عذرهم الله، وأما من سوى ذلك فلم يكونوا معذورين ما داموا يقدرون‏.‏

وباختصار أقول‏:‏ لابد من تجييش الأمة كلها وتحميلها أمانة الدعوة، والدعوة الآن فرض عين على كل مسلم بقدر ما يستطيع الدعوة والجهاد فرض عين على كل مسلم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير‏}‏ والمعنى كونوا جميعاً أمة على هذا النحو‏.‏

* والخلاصة تجييش الأمة واجب، والدعوة إلى الله والجهاد فرض عين، ولابد من تحريك كل قوى الأمة، وتفجير كل طاقاتها نحو هذا الأمر وحمل أمانة الدعوة‏.‏

 الوصية الخامسة

البناء من كل المواقع، والعمل في كل اتجاه

بعد تجييش الأمة، بأن يكون كل مؤمن جندياً لله تبارك وتعالى لابد من التوجه إلى البناء في كل موقع، أعني أننا لا نريد أمة من صنف واحد، تتوجه إلى عمل واحد، لا نريد جميع الدعاة إلى الله خطباء، فالخطابة وتعليم الناس باب من أبواب الدعوة، وتربية الأبناء باب، وكل هذه ولا شك من عمل الدعوة ومن عمل البناء‏.‏

الأمة احتياجاتها عظيمة جداً، وبالتالي لابد من التوجه إلى كل مجال يمكن للمسلم أن يثمر فيه وأن يعمل من خلاله، وهذا الذي كانت عليه أمة الإسلام في عهد النبي، لقد ربَّى أمة ولم يكن صاحب مدرسة، هناك فرق بين شيخ له مدرسة ويأتي الناس إليه ليعلمهم مقرراً دراسياً ويقول لهم بعد ذلك مع السلامة‏!‏‏!‏ والمربي الذي يريد أن يبني أمة‏.‏

إن الذي يبني أمة يحتاج إلى كل فرد، وكل فرد ينبغي أن يكون في موقعه، ولا يوجد فرد مسلم، وإلا وفيه نفع ما، وأعلانا منزلة أكثرنا نفعاً، وأبو بكر رضي الله عنه ما كان خطيباً ولا واعظاً، كان رجلاً تاجراً، لكنه كان داعية بكل ما للكلمة من معنى، وطريقته الاتصال الشخصي‏:‏ يلتقي الناس الذين يتعامل معهم فيدعوهم للإسلام، كان نساباً يعرف أنساب العرب، كان رجلاً فاعلاً للخير لا يجد ثغرة إلا ويسدها، في مكة أعتق سبعة عبيد منهم أربع نساء، وقال له أبوه يا بني‏:‏ إن كنت فاعلاً ولا بد أعتق الرجال الأشداء حتى يمنعوك، فقال له‏:‏ يا أبت إنما أفعل ذلك لله‏!‏‏!‏‏.‏

هذا الرسول يسأل الناس يوماً بعد صلاة الفجر‏:‏ ‏[‏من شيَّع اليوم جنازة‏]‏ فيقول أبو بكر‏:‏ أنا‏!‏‏!‏ فيقول‏:‏ ‏[‏من عاد اليوم مريضاً‏]‏ فيقول أبو بكر‏:‏ أنا‏!‏‏!‏ فيقول‏:‏ ‏[‏من أطعم اليوم مسكيناً‏]‏ فيقول أبو بكر‏:‏ أنا‏!‏‏!‏ فيقول الرسول‏:‏ ‏[‏ما جمعهن أحد في يوم إلا نودي من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء‏]‏‏.‏

كان أبو بكر خير داع إلى الله بعد الرسول، هذه دعوته‏:‏ لم يكن مدرساً ولا خطيباً، كان أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحسن الخطابة كما يحسنها كثير من الناس، إنما يحسن الإيمان والدعوة، وفعل الخير، وكان رجلاً نافعاً بكل معاني النفع، وعندما قاد الأمة قادها بمنتهى الحزم وبمنتهى الفهم وبمنتهى التقوى لله عز وجل وبالإرادة الصلبة فهو من حيث الرجال رجل مواقف وتربية، لقد كان شيئاً فوق التصور والخيال‏.‏

تسلم أمر الأمة وهو يقول‏:‏ والله ما طلبت الإمارة سراً ولا جهراً، وهذا منتهى النزاهة، مواقف في منتهى العجب‏!‏‏!‏ ولنترك الصدّيق الآن ونأتي إلى فرد آخر من أمة محمد‏:‏ امرأة، يقول ابن حجر‏:‏ ‏"‏بحثت عن اسمها فلم أجده‏"‏ هذا المرأة لا اسم لها في السيرة، هذه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل من الصحابة، هل كانت لها مهمة‏؟‏ نعم، كانت تكنس مسجد النبي وتنظفه والرسول الذي يبني ويربي هل نسي هذه المرأة‏؟‏ ما نسيها، لأنها جزء من الأمة، فقدها النبي يوماً فسأل عنها فقيل‏:‏ يا رسول الله إنها ماتت بالليل، فقال‏:‏ ‏[‏هلا آذنتموني‏]‏، قالوا‏:‏ يا رسول الله ماتت بالليل فساءنا أن نزعجك‏.‏ فقال النبي‏:‏ ‏[‏دلوني على قبرها‏]‏‏.‏

انظروا الرسول الذي يقود أمة، عنده وقت يخرج للبقيع ليصلي على قبر امرأة سقط اسمها في التاريخ‏!‏‏!‏ والمقصود أنني أنبه إلى أنه يمكن أن يكون لكل إنسان عمل في الدعوة، وبالتالي إذا أردنا أن نقيم أمة لابد أن يكون كل إنسان مهماً مهما صغر شأنه وقل عطاؤه، فليكن له عطاء بحسب قدرته، ولو كان لكل إنسان مهمة في الدعوة لتغير حال الأمة‏.‏

وانظروا معي في هذه الحادثة‏:‏ أحد إخواننا الألمان أسلم، سألته مرة ما الذي أدخلك في الإسلام‏؟‏ هو رجل مهندس وطيار، عنده أربع شهادات في فروع الهندسة قلت له‏:‏ لِمَ دخلت الإسلام‏؟‏ فقال لي‏:‏ ثلاث حوادث هي التي وجهتني للإسلام -وأنا الآن أذكر حادثة واحدة فقط- قال لي‏:‏ كنت في السودان وفي بلد بعيد عن الخرطوم، حيث أعمل في أحد المشروعات، وفي يوم غربت عليَّ الشمس بعيداً عن مقر إقامتي جاءني رجل قال لي‏:‏ أنت رجل غريب وأنا أستطيع أن أقدم لك خدمة، فقلت له‏:‏ لا أحتاجك، قال‏:‏ بل أنت محتاج حتماً إلى خدمتي ولن أتركك، فقلت له‏:‏ لا أريد خدمة من أحد، فقال السوداني‏:‏ لن أتركك، ثم يتابع‏:‏ وألحّ عليَّ حتى أخذني إلى منزله فقلت له‏:‏ لم أخذتني وألححت عليّ على هذا النحو -وليس له إلا غرفة واحدة وكانت فيها زوجته أخرجها إلى منزل أهلها- وأكرمني إكراماً عظيماً جداً، فقلت له‏:‏ لماذا فعلت هذا‏؟‏ فقال السوداني‏:‏ لقد نذرت لله أن أعمل معروفاً كل يوم، وقد رأيتك قبل أن تغرب الشمس ولا يوجد أمامي غيرك أصنع له معروفاً‏!‏‏!‏ لو ذهبت أنت لم أجد أحداً آخر أفي معه بوعدي مع الله‏!‏‏!‏

ثم يقول الأخ الألماني، قلت في نفسي‏:‏ ما هذا الدين الذي يجعل إنساناً يلزم نفسه بفعل معروف لإنسان آخر‏؟‏ هذه حادثة واحدة بقيت في ذهني وأيقظت عندي الرغبة في التعرف على الإسلام‏.‏

باختصار‏:‏ الشاهد من هذه القصة أنه يمكن أن يكون لكل إنسان منَّا فعل في الدين ودعوة إلى الله عز وجل، وليس الإنسان الذي يمسك مكبر الصوت ويدعو إلى الله هو الداعي فقط، فمثل هذا الرجل بفعله للمعروف وجَّه إنساناً للدين وللإسلام وهذه دعوة عظيمة، وبالتالي يمكن لك إنسان يجعل همه الدعوة والدين أن يسهم إسهاماً في بناء هذه الأمة‏.‏

 الوصية السادسة

العمل المتأني على توسيع دائرة الإيمان

الذي يعني بالضرورة تضييق دائرة الفسق والكفران

الفساد موجود والخير موجود، والقضاء على الفساد يمكن أن يكون بمجرد جرة قلم من الحاكم هذا صحيح، كما ذكرت في القضية الثالثة لكنه قضاء ظاهري، وأما القضاء الحقيقي على الفساد إنما هو بتوسيع دائرة الإيمان، والخنق التدريجي للفساد، والتضييق عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً‏.‏‏.‏‏]‏ الحديث، ومعنى لتأطرنه على الحق أطراً أي تستمرون وراءه بالموعظة والتشديد والتضييق‏.‏‏.‏ وهذا هو الخنق التدريجي، حتى يموت الفساد ويختفي وهذا هو الطريق الصحيح الذي بين الله تبارك وتعالى أنه به تنتهي دائرة الفساد قال‏:‏ ‏{‏أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون‏}‏، الأرض هنا أرض الكفر، ومعنى ننقصها من أطرافها‏:‏ نأخذ طرفاً طرفاً منها يزاد إلى أرض السلام، وهكذا دواليك وأقول‏:‏ كلما اكتسبنا فرداً من معسكر الفسق والفساد والكفر وانضم إلى معسكر التوحيد والإيمان والهداية، كلما ضاقت الدائرة على المفسدين، وبالتالي لو التزم كل منا برجل واحد كل عام نكون قد وسعنا دائرة المهتدين، وضيقنا دائرة المفسدين، وهذا العمل التدريجي المتأني عظيم جداً والدعوة مباركة، ولا أطيل في هذا، فقد بينت في مواطن كثيرة أن الدعوة مباركة، مثلها مثل الزرع تبذر بذرة، ويتولى الله تبارك وتعالى إنباتها ونموها واستواءها‏.‏

 الوصية السابعة

الحرب على كل الجبهات، ومحاولة سد كل الثغرات

لابد من سد جميع الثغرات والحرب على كل الجبهات وفي كل الميادين، الأمة الإسلامية قد فتح عليها باب الشر من كل مكان، والقول الآن بأن الدعوة لا تكون إلا في مكان واحد من هذه الأمكنة خطأ كبير، مثلاً لابد من الدعوة إلى التوحيد، وهذه هي البداية، ولكن هذا القول يمثل نصف الحقيقة وليس كل الحقيقة فلو كانت الدعوة إلى الإسلام هي الدعوة إلى التوحيد فقط، ورأيت عارياً وجائعاً، ألا ينبغي لك وأنت تدعو إلى التوحيد أن تكسو هذا العاري، وأن تطعم هذا الجائع، أم أنه إذا جاءك الجائع والعاري وأمسك بثيابك، وقال لك‏:‏ يا فلان أنت جوعان أعطني ديناراً، تقول له‏:‏ اذهب عني أنا الآن مشغول بدعوة التوحيد، فلعله يقول لك‏:‏ حث الناس يعطوني ديناراً أعيش به، فهل تقول له‏:‏ لا وقت عندي ولا بد أن نهتم بالتوحيد أولاً‏؟‏ هذا القول لا يصدر من داعية حق إلى الله، وهذه ليست دعوة إلى الله فإنه لو كان الإنسان جالساً في درس التوحيد، وجاء هذا الجائع، ودخل هذا العاري ينبغي أن نوقف الدرس ونعطيه من أموالنا حتى نسد حاجته‏.‏

وإنني أقول أيضاً‏:‏ إن هناك من يتصرف مثل هذا التصرف، يرى حاجات الناس وآلامهم ومصائبهم، وركوب الظالمين عليهم وتهتيك حرماتهم، ولا يهتم بشيء من ذلك ويقول‏:‏ الدعوة إلى التوحيد أولاً‏!‏‏!‏‏.‏

ولا شك أن هناك أوليات، هناك بدايات وليس معنى الأولوية أن لا نشغل بغيرها، هذا خطأ في فهم الأولويات، إذ لا بد من الحرب على كل الجبهات‏.‏ التوحيد أولاً‏:‏ نعم، ولا يجوز أن نشغل عن إحسان الصلاة فإذا كانت صلاتي غير صحيحة فينبغي أن أصححها، وإذا كان بيننا رجل جائع فلا بد أن نطعمه ونتعاون في هذا، ولا ينبغي أن نقول‏:‏ إن هذا مشغلة عن العمل، لجنة تجمع الزكاة والصدقات وتعطي الفقير المحتاج هذا من عمل الدين والدعوة، عدو غزا ديارنا، لابد أن نقوم في وجهه ولا يجوز أن ننشغل عنه‏.‏‏.‏ لقد فتحت على المسلمين الثغور من كل مكان‏:‏ أفغانستان فيها نار تشتعل‏.‏‏.‏ في السودان مجاعة‏.‏‏.‏ في الأمة ظلمة فجرة‏.‏‏.‏ يقهرون المسلمين ويعذبونهم، ويضطهدونهم، في الأمة جهلة يجب تعليمهم‏.‏‏.‏ في الأمة مفسدون يجب الضرب على أيديهم وإنكار فسادهم‏.‏‏.‏ في الأمة أعداء ينتشرون في كل مكان يجب فضحهم وتعريتهم‏.‏‏.‏ في الأمة عقائد باطلة لا يجوز السكوت عنها‏.‏‏.‏ لابد أن تكون الدعوة عملاً في كل ميدان وسداً لكل الثغرات حسب الإمكان، لو كان هناك الإمام العام لكفانا هذا، ولكان قد وجه هؤلاء إلى وجهة ونظم الأمر ورتبه للمسلمين، لكن لا يوجد الإمام العام‏.‏‏.‏ فما يصنع الأفغاني‏؟‏ هل ينتظر الإمام ليأذن له بالجهاد وينظم له الصفوف‏؟‏ والفلسطيني ماذا يصنع‏؟‏‏.‏‏.‏ يصرخ في أرضه ويقاتل الدبابات بالحجارة‏؟‏ وماذا يصنع المسلمون هنا وهم مهددون كل يوم بالغزو الإيراني‏؟‏ وهل ينتظر العلماء إذن الإمام لنصح الأمة وتوعية الناس والدعوة إلى الله‏.‏‏.‏‏؟‏

أعداء الله عز وجل شغلوا كل إنسان منا بمشكلته، وكل جماعة بهمومهم وجعلوا الناس مهمومين، كل يكفيه همه، أن يفكروا في غيرهم ويبحثوا عن سواهم‏.‏

والخلاصة أن على المسلمين اليوم‏:‏ أن ينظموا صفوفهم، وأن يوحدوا جهودهم، وأن يحاربوا ما أمكنهم على كل الجهات، وأن يحاولوا أن يسدوا كل الثغرات، لا شك أنه لن يكون سد هذه الثغرات كاملاً، وقيام الأمة بالأمانة كاملة لا يكون إلا بإمامة واحدة وخلافة راشدة، وهذا ما يشير إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن تقوى الأمة إلا وهي تلتف حول علم واحد وحول إمام واحد، ينبغي البناء وسد هذه الثغرات وتجييش الأمة، وهذه كلها إرهاصات لظهوره، وبدايات لتمكين الدين وجمع كلمة المسلمين، وعلى كل حال إذا جاء صلاح الدين وجد الجند موجودين، ولا يكون هذا إلا العمل المتواصل خير من أن يأتي فلا يجد الأرض إلا يباساً وخراباً‏.‏

وإنه لا يجوز لأطفال شب الحريق في بيتهم أن يقولوا يجب أن ننتظر أبانا حتى يطفئ الحريق، بل عليهم أن يفعلوا ما يستطيعون، ولو بالصراخ والعويل حتى يستيقظ من يطفئ الحريق‏.‏‏.‏ اخرج من بيتك ناد الجيران، افعل شيئاً لا يجوز لأن تقعد وتقول‏:‏ لا نقوم حتى يأتي المهدي ويصلح الأحوال، ويهدي الأمة ويجمع الأمة، هذا ليس بصحيح، لقد فعل هذا اليهود دهراً طويلاً من عمرهم، قالوا ننتظر المخلص‏.‏‏.‏ فلما طال انتظارهم ولاقوا الذل والهوان هبوا بأنفسهم ولم ينتظروا مخلصاً بعينه ليخلصهم، وفعلت هذا طوائف كثيرة من المسلمين، قالوا‏:‏ لابد أن يرسل الله لنا المخلص الذي يخلصنا‏:‏ ينبغي أن نقوم نحن ونؤدي ما علينا، فإذا جاء المخلص وجد هناك من الرجال من يقوم معه، وأما قعودنا وتكاسلنا فسيترك الأرض خراباً والنفوس فاسدة ضعيفة لا تصلح لشيء‏.‏

 الوصية الثامنة

تصحيح مسيرة الدعوة أولاً بأول،

وإنكار منكر الدعاة قبل غيرهم، وإشاعة الشجاعة الأدبية والنقد الذاتي

هذه القضية هامة، وأنا للأسف لضيق الوقت أجمل إجمالاً، والأمر يحتاج تفصيلاً، ولعلي في موطن آخر إن شاء الله أشرح هذا‏.‏

النقد الذاتي لأهل الدعوة إلى الله عز وجل والمهتدين‏:‏

ما معنى هذا الكلام‏؟‏ معناه أنه ليس كل من دعا إلى الله عز وجل وبعد النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً، بل كل منا معرض للخطأ والصواب، وأخطاء الدعاة كثيرة، وهناك الذين يحاربونهم، يتصيدون هذه الأخطاء، هناك مقولة سارية عند الدعاة إلى الله تقول‏:‏ إنه لا يجوز أن نفضح أنفسنا عند الناس ولا ننتقد بعضنا، وأنا أقول‏:‏ إن هذه المقولة خاطئة، لأنه لابد من تصحيح مسيرة الدعوة، ولابد من إشاعة النقد‏.‏

إذ لو كان إظهار خطأ المهتدين عيباً لما بين الله تبارك وتعالى كثيراً من عيوب المهتدين، مثلاً‏:‏ سرية عبدالله بن جحش اجتهدت اجتهاداً وقتلت بعض الناس في الحرم وفي الشهر الحرام، وجاء الكفار وقامت قيامتهم، وقالوا‏:‏ استحل محمد الدم في الشهر الحرام، وأشاعوا في العرب الذين كانوا يعظمون الشهر الحرام‏:‏ فقد كان الرجل منهم يرى قاتل أبيه في الشهر الحرام أو البلد الحرام ولا يمسه، لكن إذا انتهى الشهر الحرام طالبه وأخذ بثأر أبيه‏.‏‏.‏

فلما فعل هذا بعض المسلمين اجتهاداً منهم أنكر المشركون هذا فأنزل الله قوله‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير‏}‏ وهذا بيان أن هذا خطأ ومعصية ولكن الله رد على الكفار قائلاً سبحانه‏:‏ ‏{‏وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل‏}‏‏.‏

والمعنى إن كنتم تعيبون على المسلمين أمراً فقد فعلتم معشر المشركين ما هو أعظم، فقد فعلتم أضعافه من الكفر بالشهر الحرام والبلد الحرام، وإخراج أهل البلد الحرام منه، واليوم أقول‏:‏ لقد تأخرت الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بسبب السكوت عن كثير من الأخطاء‏:‏ أخطاء في العقيدة، وأخطاء في المنهج، وأخطاء في السلوك‏.‏

بعض الدعاة يريد أن يكون جباراً في الأرض‏:‏ يسفك الدماء المحرمة بغير حق، ويستحل حرمات الناس بغير حق والسكوت عن هذه الأخطاء إقرار لها وتشويه للمنهج الإسلامي، وصد عن سبيل الله، وبالطبع فأنا أفرق بين الخطأ المستعلن والخطأ الخفي، أقول‏:‏ يجب التمييز، فلان فعل هذا وقد نصب نفسه داعياً إلى الله عز وجل، لا أقول اسكتوا لا تقولوا للناس هذا الأمر خطأ حتى لا يظن عموم الناس أننا نخطئ، لو سكت أنت عن هذا، وسكت أنا، أصبح هذا من جملة المنهج، أصبح هذا ليس منسوباً إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله، لأن هذا وغيره منسوبون إلى الدعوة، فإذا سكتنا عن أخطائه، تصبح هذه أخطاء المنهج الرباني، والمنهج السماوي منهج الله، وهذه جريمة، جريمة في حق الدين أننا نسكت عن الأخطاء، أي خطأ استعلن وأظهر للناس ينبغي أن يبين ونقول‏:‏ هذا الذي فعله فلان ليس من الدين، وهذا فعله باجتهاده، ليس معصوماً، ولكنه مجتهد وأخطأ الطريق، وهذا ليس بصواب وهذا ليس من دين الله، فيكون المنهج سليماً والطريق سالكاً نظيفاً‏.‏‏.‏ كان الصحابي إذا أفتى بفتوى برأيه يقول‏:‏ إن كانت صوباً فمن الله وإن كانت خطأ فمني ومن الشيطان، وللأسف أن بعض الدعاة يستحل الدم الحرام ولا يريد أن ينتقده أحد ويقول إذا حصل النقد للدعاة يحتج علينا المنافقون والكفار، أننا فعلنا جريمة، وأنا أقول‏:‏ لأن تنسب هذه الجريمة إلينا خيراً من أن تنسب إلى الله ومنهجه وإلى رسوله وإلى دينه، فلنقل للكفار والمنافقين‏:‏ يا جماعة هذا الخطأ منا وليس من تشريع الله وليس من الدين وليس من أمر الله، فالذي فعله فلان وفلان لا ينسب إلى الدين، وليس من أمر الله ولا أمر رسوله ولا دينه ولا شرعه ولكن هذا اجتهاد منهم، ويتحملون هم وزره والله بريء من هذا والرسول بريء من هذا‏!‏‏!‏

هذه يا إخواني قضية هامة وترك نقد الدعاة أخّر الدعوة، أخّرها سنوات طويلة، بسبب السكوت على الأخطاء، وبالتالي أي إنسان خارج الدين ينظر إلى الدين فيراه مجموعة من حركات المجانين والعابثين، بل والمجرمين أحياناً، دين الله غير هذا، دين الله ينبغي أن يبرأ وينبغي إن نحن فعلنا خطأ أن نعترف ونقول الله بريء من هذا ورسوله بريء ودين الله بريء، وبالتالي يبقى الإسلام نظيفاً وطريقه صحيحاً‏.‏ ولا يأتي جاهل يرى في هذا الخطأ ويبني عليه لأن الخطأ إذا أقر والبدعة إذا بقيت فسيأتي جيل ولا يجد من يبين له، وإذا بقيت الانحرافات والأخطاء ولم تجد من يغيرها فسيأتي جيل يقلد في هذا وتستقر البدع وتصبح جزءاً من المنهج والدين، وهكذا يفسد الدين بالتراكمات وأخطاء الدعاة، والذي يأتي من الخارج يجدها جزءاً من المنهج‏.‏

هذا كعب بن مالك لما تأخر عن تبوك نزل القرآن في شأنه، وهذا حاطب ابن أبي بلتعة فعل شيئاً فنزل في حقه قرآن، وهذا كتاب الله فضح المنافقين الذين كانوا جزءاً من المسيرة، وكان لابد من فضحهم وبيانهم حتى لا يتأثر بهم غيرهم، لابد إذن من تميز دائم وتفريق بين المنافق الذي تأصل النفاق في قلبه، وبين مؤمن أخطأ بعذره، اجتهد فأخطأ، وبين رجل كريم عثر عثرة فنقبله‏.‏ وبين جاهل حاقد قد يفسد وهو يظن الصلاح كما فعل الخوارج‏.‏

* والخلاصة لابد من تصحيح المسيرة، وبيان الأخطاء، وتقويم العوج في الدعوة إلى الله

 الوصية التاسعة

تنسيق العمل بين الجماعات الإسلامية

ومناصرة بعضها بعضاً والوقوف صفاً واحداً أمام القوى المعادية

وهذه وصية عظيمة، وهي تنطوي على مجموعة من الحقائق‏:‏

أ- إن قيام الجماعات الإسلامية الكثيرة في أنحاء العالم الإسلامي كان بحكم تباعد الديار، والاختلاف في الأولويات، وتغير الظروف والملابسات، وهذا جميعه قد أفرز بالتالي تعدد جماعات الدعوة‏.‏

ب- هذا التعدد استفاد منه الجهاد الإسلامي كثيراً، وذلك أن الأوضاع السياسية والظروف القائمة لا تسمح بإقامة عمل واسع منظم للدعوة، والظروف الأمنية لم تكن لتسمح أحياناً بقيام جماعات لها لون معين واهتمامات معينة كالاهتمام السياسي والتنظيمي، لذلك نشطت جمعيات أفادت المسلمين كثيراً كالجماعات التي اهتمت بإقامة المساجد ورعاية الأيتام، وتعليم القرآن، وتثقيف أبناء الإسلام، والدعوة إلى الصلاة والزكاة والحج، وتعليم الناس توحيد الله وعبادته، والنهي عن مظاهر الشرك والوثنية، ومحاربة بعض البدع العقائدية الخطيرة كالرفض والتصوف‏.‏‏.‏ وكل هذه الأمور لا غنى للمسلمين عنها بتاتاً، وقد قامت بها جماعات كثيرة في غيبة بعض الجماعات التي غلَّبت السياسة ونقد الحكام، وتنظيم الأحزاب على نشاطها والتي كان تلاحقها السلطات في كل مكان‏.‏

ولذلك فقد كان لقيام الجمعيات الدعوية التي اهتمت بأعمال الخير والدعوة إلى أمور الدين السابقة أثر بالغ في حياة المسلمين، وخاصة بعد أن تخلت معظم الحكومات عن هذه المهام من تعليم القرآن والصلاة والإسلام، ورعاية الأيتام والفقراء، وإخراج الزكاة، والنهي عن البدع والمنكرات، والشرك‏.‏

ج- ولا أنكر ولا أشك أنه قد كان هناك بعض السلبيات من هذا التعدد كالتنافس غير الشرعي، الذي أدى إلى الطعن والتشويه والتجريح، وإيقاع المبتدئ في بلبلات عظيمة، وحيرة من أمره في شأن الدعاة للإسلام واختلافهم، ولكن هذه السلبيات لا يمكن أن توازي الإيجابيات العظيمة من تعدد الجماعات، علماً أن هذه السلبيات يمكن تلافيها تماماً والتخلص منها أبداً باتباع سياسة حكيمة وهذا ما تدعو إليه الوصية التاسعة، وتتمثل هذه السياسة الحكيمة فيما يأتي‏:‏

1- إشاعة إخوة الإسلام ورابطته بين جميع العاملين للإسلام، والدعوة إلى أن المسلم في كل زمان ومكان وهيئة وجماعة، وأن هذه الرابطة من أصول الدين وقواعد الإسلام‏.‏

2- التلاقي بين العاملين للإسلام ومناقشة أولوياتهم ومناهجهم والانفتاح على الآخرين، ومعرفة ما عندهم‏.‏

وفي ظني أن حتمية العمل ووحدة المصير ستحتم على العاملين للإسلام أن يكونوا وحدة في آخر المطاف، وذلك أن الأمور تتحرك في ظل الدعوة إلى الله إلى انحياز أهل الشر بعضهم بعضاً، وتناصرهم وتعاونهم، وبالتالي سيجد أهل الخير والدعوة أنه لا مناص لهم من التعاون والتآزر‏.‏

ومع ذلك فإنني لا أقول يجب أن نصبر حتى تلجئنا الظروف إلى التعاون، بل يجب أن يسعى كل العاملين للإسلام إلى أن يكونوا إخوة متحابين متناصرين، وأن يكونوا صفاً واحداً في وجه المجرمين من الملحدين، وألا ينتظروا حتى تلجئهم الظروف إلى ذلك، بل عليهم أن يعملوا للوحدة والتآلف والتآزر من الآن بوحي من إيمانهم وعقيدتهم، وأن هذا هو فرض الله عليهم وأمره لهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص‏}‏ والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً‏.‏

ومع هذا فأنا لا أشك بتاتاً أن مصير الفرقة بين الجماعات الإسلامية إلى زوال، وأنه لا مناص لهم عن التآخي والتآزر‏.‏

وأنا لا أدعو بالضرورة إلى دمج الجماعات الإسلامية في جماعة واحدة فهذا لا شك فيه استحالة وبعد عن الواقع والمعقولية في الوقت الحاضر، وإنما أدعو إلى الوقوف صفاً واحداً في القضايا العامة وحرب أعداء الله وأعداء رسوله ودينه، وأما في أمور التربية الخاصة، والأولويات والاهتمامات، فلا شك أنه كلما كان هناك لقاء كان هناك تقارب، وكلما كان هناك أكثر من جماعة في القطر الواحد كان هناك مجال عظيم للتنافس في الخير والتسابق إلى الإحسان، وإلى تطوير كل جماعة لعملها واهتمامها بنشاطها، واقتباسها لنواحي الحسن عند منافستها والتخلي عن مواطن الضعف التى تعاب عليها، وهكذا تستفيد الدعوة الإسلامية في النهاية من هذا التنافس والتسابق على الكسب والإحسان، وأما وجود جماعة واحدة للدعوة في القطر الواحد فإنها بالضرورة تؤدي إلى الرتابة والخمول والكسل، وضعف النقد، وبالتالي تراكم الأخطاء واستفحال الأدواء‏.‏

* والخلاصة أنني أدعو إلى التقارب والتنسيق بين الجماعات الإسلامية، وفتح مجالات الحوار واللقاء، وإذكاء التنافس في الخير، والتسابق إلى الإحسان وهذا هو الذي سيسرع بنشر الوعي الديني وتحويل مجتمعاتنا إلى مجتمعات إسلامية‏.‏

 الوصية العاشرة

الاعتصام بالله دائماً، واليقين أنه هو سبحانه الذي يقود ويوجه مسيرة الدعوة،

ويسدد الدعاة، ويختار لهم وأن الدين دينه والأمر كله له

وأختم بها، وهي‏:‏ أن جماع هذا كله هو الاعتصام بالله تعالى، والعلم بأن حركة الدعوة إلى الله الذي يخطط لها ويقدر لها هو الله سبحانه وتعالى وليس الأفراد، ألم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو أكمل الناس عقلاً وفكراً وفهماً بدليل أن العرب بأحلامهم التي تزن الجبال كانوا إذا اختلفوا يتحاكمون إليه، ويرضون بحكمه ويقولون عنه‏:‏ الأمين والصادق، وهذا من كماله البشري، ولما جاءته الرسالة وعنده هذا الكمال وعلمه الله سبحانه عز وجل، وبالتالي سار بهذا الدين فكان يجتهد، وبلغتنا كان يخطط كيف ينشر هذا الدين وكيف تعز الأمة، ولكن لا شك إذا نظرنا في القرآن فسنجد أن الذي كان يقود مسيرة الدعوة هو الله سبحانه وتعالى وليس الرسول عليه السلام، في الظاهر النبي‏.‏‏.‏ لكن في الحقيقة والواقع الذي يخطط للأمر بمعنى يقدر الأمر هو الله سبحانه وتعالى، ومثالاً على ذلك‏:‏ معركة بدر‏:‏ عندما نقرأ في السيرة نجد أن الرسول عليه السلام جاءه خبر عير قريش التي ذهبت إلى الشام في تجارة وأنها راجعة بألف بعير وعليهم مائة رجل فقط، وقال الرسول‏:‏ اخرجوا لعل الله ينفلكموها وخرج النبي هكذا باجتهاده وقال‏:‏ من كان ظهره حاضراً فليخرج، وجاء وخطط للمعركة وعمل كذا وكذا وكان النصر في النهاية، ولكن نقرأ في القرآن إن الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون‏}‏‏.‏

كما أخرجك ربك من بيتك بالحق‏!‏‏!‏ الذي أخرجك هو الله‏!‏ فمن الذي يقدر ويدبر‏؟‏‏!‏ أو بتعبيرنا يخطط للمعركة الرسول أم الله‏؟‏ لا شك أنه الله سبحانه الذي أعطى رسوله البشارة بالنظر ‏{‏وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم‏}‏، قبل أن يخرج رأى أنه منتصر، فمن كان الذي يدبر الأمر‏؟‏‏!‏

طبعاً الرسول خرج وهو الذي صف الناس، وهو الذي فعل، وهو الذي أخذ من الحصباء وألقى في وجوه القوم وقال‏:‏ شاهت الوجوه، هذا الذي فعله، لكن من الذي كان يدبر هذا الأمر كله‏؟‏ الله سبحانه وتعالى قال‏:‏ ‏{‏فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً‏}‏ ما أنتم فعلتم أنا فعلت إذن فالقراءة الربانية للأحداث تختلف عن قراءتنا البشرية للأحداث، القراءة الربانية للأحداث تبين لنا أن الله عز وجل هو الذي رتب الأمر كله ودبره وأراد أن يصل المسلمون لهذه النتيجة‏:‏ نتيجة النصر، فهم يفعلون ويخططون ويدبرون لكن الله عز وجل هو الذي يوجههم وهو الذي يريد هذه النهاية التي انتهوا إليها، هذا في حال الهزيمة كذلك‏!‏‏!‏ المسلمون هزموا في أحد كانت هزيمة مُرة، لكن هل كان هذا كذلك بأمر الله ومشيئته وتدبيره أم لا‏؟‏‏!‏ الجواب نعم‏!‏‏!‏ وكان هذا من أعظم الخير لأمة الإسلام، لأنه تحقق في هذه الهزيمة من الخير ما لم يتحقق في بدر بل أضعاف ما تحقق في بدر من الخير لهذه الأمة، والمجال لا يتسع، ولكن إقرأوا الآيات من سورة آل عمران تجدوا أن الله عز وجل هو الذي رتب الأمر كله، الله يقول للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وإذا غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم‏}‏ الله سميع وعليم بك يا محمد وأنت تقول لفلان ابق هنا ولفلان كن هنا وفي نهاية الآيات يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين* وليعلم الذين نافقوا‏.‏‏.‏‏}‏ يقول الله لنبيه‏:‏ بإذني كانت تلك الهزيمة والمصيبة لأميز الصفوف وأتخذ منكم شهداء، وأربيكم وأعلمكم وأهيئكم وهذه أمور فيها من المنافع العظيمة جداً، إذ لو أن المسلمين يخططون لأنفسهم ويصنعون أقدارهم بأيديهم لم يفعلوا لأنفسهم غير هذا‏.‏

لقد رأيت كثيراً من الصالحين يدخل في محنة ما أرادها أبداً يلاقي فيها الأمرين، ولكنه يكتسب فيها من الخير والبركة ومن المنافع العظيمة، لكن لا تنال هذه العلوم، وهذا الطريق الشاق والمحن العظيمة هذه ويحصل ما حصل من فوائد فيقول‏:‏ والله كنت أتمنى أن أدخل في هذا الطريق وأصاب بهذه المصائب وهذه المشاكل حتى أنال ما نلته الآن‏.‏

وبالتالي فاختيار الله عز وجل للمؤمن أعظم من اختياره لنفسه‏.‏

والخلاصة أن الله تبارك وتعالى هو الذي يقود مسيرة أهل الإيمان وهو الذي يربيهم ويعلمهم ويبتليهم بالخير والشر، الشر الظاهري لكنه في باطنه خير، أريد أن نخلص من هذا كله إلى أن أهل الدعوة ينبغي أن يعتصموا بالله كما قال الله في ختام آية الدعوة ‏{‏واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير‏}‏‏.‏

وأن نوقن أنه لسنا نحن الذين نخطط للدعوة، نحن بحسب علمنا البشري نعمل، لكننا نعمل في إطار تدبير الله ومشيئته وكثير من الأمور نركبها رغماً عنا ونوضع فيها رغماً عنا، والله لو كان باختيارنا وعقولنا ما توجهنا إليها، لكن نجد في النهاية أنها خير وبعدها تجد أن هذا الطريق كله فشل، لأنك لم تتبع الطريق السليم ولم تتجرد لله وتسلم قيادك لله عز وجل، وأما إذا سلمنا لله فلابد أن تكون النتائج في صالحنا، لأن الذي يخطط للعمل ويدبر الأمر ويقضي في كل شيء هو الرب سبحانه وتعالى‏.‏

لو أن الدعاة إلى الله فقهوا أنه لا صلاح لهم ولا نجاح لهم إلا بالاعتصام بالله والتوكل عليه في كل أمر وإخلاص الدين له والتبرؤ من الهوى وجعل الأمر كله لله عز وجل، أقول‏:‏ لا شك نصل إلى درب الأمان بكل سهولة وكل يسر، ويصبح كل قضاء يقضيه الله لنا خيراً لأننا أسلمنا، وسلمنا القيادة لله سبحانه وتعالى، وبالتالي فالله لا غالب له‏.‏

هذه يا إخوة‏:‏ عشر وصايا هي والله ثمرة قلبي، وزبدة عمري وبحثي واستقرائي لحال الدعوة إلى الله عز وجل ما كذبت فيها -يعلم الله- وأرجو أن أكون قد أخلصت القصد والنية في بيانها وتقديمها‏.‏

واعلم يقناً أن هذه الأمور والقواعد العشر معالم حقيقية للطريق لو اتبعها الدعاة إلى الله لنصر الدين بأسرع ما نتصور‏.‏

وأسأل الله أن يأخذنا إلى طريقه وأن يرفق بنا في الأمر كله والله غالب على أمره‏.‏

وصلى الله على رسوله محمد وآله وصحبه وسلم‏.‏

 أسئلة وتعقيب

السؤال الأول‏:‏

سائل يقول‏:‏ إذا أراد أحد الحكام وهداه الله سبحانه تعالى إلى أن يحكم بكتاب الله وشرعه فموجب كلامك يا شيخ أن نقول له‏:‏ لا، قف حتى نربي الناس‏؟‏‏!‏ ويقول السائل إن هذا يعارض محاربة أبي بكر الصديق للمرتدين لإرجاعهم إلى دين الله سبحانه وتعالى‏؟‏

الجواب‏:‏

هذا الذي فهمه الأخ السائل ليس وارداً في الحقيقة، لا شك إننا نقول كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لادخرتها للسلطان‏)‏، لأن بصلاحه صلاح الأمة، فالسلطان الذي بيده الأمر والنهي، ويملك الإرشاد بالقرآن والوازع بالسيف والعصا، قد جمع الوازعين، كما قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس‏}‏‏.‏

فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والأنبياء كانوا أحد رجلين‏:‏ إما أنبياء ورسل غير ممكنين فهم يقومون بواجب الدعوة إلى الله تبارك وتعالى لا يملكون إلا الهداية بالكلمة، وإما رسل وأنبياء جمعوا بين الكلمة وبين السيف جعلهم الله ممكنين، فمثال الأول‏:‏ نوح وهود وصالح وإبراهيم، كانوا لا يملكون إلا الكلمة ولا يملكون إلا الموعظة والتذكير، وبالتالي كان الوازع الوحيد الذي بأيديهم هو تذكير الناس مخافة الله وتقوى الله وترهيب الناس من عذاب الله‏.‏

ومثال الثاني‏:‏ موسى مثلاً كان قبل الخروج من مصر غير ممكن وبعد أن خرج أصبح ممكناً، يقيم حدود الدين في بني إسرائيل، حتى إن الله أمره أن يقتل كل من عبد العجل، وقيل إنهم كانوا اثنا عشر ألف شخص قتلوا في يوم واحد، ثم جاء بعده يوشع بن نون كان نبياً ممكناً، وجاء سليمان وداود، وهؤلاء أنبياء ممكنين في الأرض قال تعالى لداود‏:‏ ‏{‏يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله‏}‏، وكذلك كانوا يملكون الوازع بالكلمة والوحي، فجمعوا بين الأمرين لكن هل تخلوا لما ملكوا السيف عن التربية‏؟‏ الجواب‏:‏ لا، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان قبل الهجرة وقبل التمكن في الأرض كان لا يملك إلا الكلمة ولذلك جاء قول الله‏:‏ ‏{‏فذرني ومن يكذب بهذا الحديث‏}‏، ثم بعد ذلك أمر الله نبيه أن يقاتل في سبيل الله وأن يقيم الحدود فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة‏]‏‏.‏

فجلد شارب الخمر ورجم الزاني وجلد القاذف، لكن هل تخلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن كونه النبي المربي، يربي بالقرآن ويربي كذلك بالسيف والحديد، والعصا والسوط، يزع بهذا ويزع بهذا‏.‏

الخلاصة‏:‏ إنه لا شك أن الإمام المهتدي الذي يمكنه الله تبارك وتعالى يملك الأمرين‏:‏ يملك التربية ويملك كذلك التقويم بالحدود، والحدود زواجر والسيف قاطع للفتنة‏.‏

ولكن الرسول في أثناء امتلاكه للسيف كان كذلك رحيماً يعتني بالصغير والكبير، الجارية تأخذ بيده حتى تقضي حاجاتها، ولا يضع السيف إلا في محله‏.‏

والذي أريد أن أقوله، إن فاقد الشيء لا يعطيه، لماذا نقول لابد من اعتماد التربية وسيلة لإعزاز الأمة ونصرها‏؟‏

نقول ذلك لأنه لا يمكن أن يكون عندنا ذوي خلق وذوي دين وذوي تقوى إلا إذا تربوا قبل التمكين قبل أن يسلمهم الله الأمانة ويسلطهم على رقاب الناس، ويعطيهم السيف، فالخشية أن يقتلوا به المعرضين، فإذا وجد حكام من الدعاة المتحمسين لكنهم قد يكونوا ممن لا خُلق لهم ولا دين بهم ولا تربية عندهم، يكون أحدهم قد سمع درساً أو درسين ثم وصلوا إلى الحكم بدبابة ولم يتثبت الإيمان والرحمة قلوبهم ولم يفقهوا حقائق الدين‏.‏‏.‏ فما مصير الأمة تحت يد هؤلاء‏؟‏ مصير الأمة هو الهلاك والتدمير‏!‏‏!‏ وهذه حقيقة‏:‏ أقول‏:‏ إذا حكم شخص الناس ولم يدخل الإيمان قلبه وزعم أنه واسع جداً لأن الدين يعطيه صلاحيات كبيرة جداً، صلاحيات عظيمة، فيستطيع أن يزعم أن إنساناً ما مرتد فيكون جزاؤه القتل‏.‏

أنا نفسي يوم أعلن السادات عن تطبيق حكم المرتد في الشريعة، كتبت مقالاً بعنوان ‏(‏على من ستطبقون حكم المرتد‏)‏، وقلت‏:‏ دعونا نعرف من هو المرتد‏؟‏ قبل أن تأتي وتقبض على فلان من الناس وتقتله، هذا الذي خالف الدين وأريد أن أذبحه، ويصبح الحكم كأن الدين هو الذي ذبحه باسم الإسلام والقرآن، إذن فلا بد أن نحدد أولاً‏:‏ من المرتد إذا كان المرتد الذي يخالفك أيها الحاكم والذي لا يمشي على هواك هو المرتد، وتقول هذا كفر وخرج من الدين فنكون قد سلمناك سيفاً باسم القرآن تقطع رقاب الناس به، علماً أننا لو حددنا المرتد على الحقيقة فلربما كان الحاكم هو أول من يُقتل وبالتالي يُطبق الحكم فيه‏.‏

والخلاصة‏:‏ أن الدين يعطي صلاحيات عظيمة وبالتالي لا يجوز في الحقيقة أن تمسكه إلا أيد أمينة، وأما إذا وضع بأيد غير أمينة فإن هذا الأمر في منتهى الخطورة، لذلك أقول‏:‏ لابد من التربية، والتربية أساس حتى يوجد رجال يتقون الله، لأن مثل هؤلاء الرجال عندما يكونون على رقاب الأمة فسيتقون الله وسيكونون رحماء أبراراً، من أمثال الصديق الذي لم يضع السيف إلا في مكانه تماماً‏.‏

ومن أمثال عمر بن الخطاب القوي الشجاع الذي قال‏:‏ ‏(‏لو عثرت بغلة في العراق لسئل عنها عمر‏)‏‏.‏

فهؤلاء رجال كانوا يتقون الله وبالتالي كانوا رحماء أما أناس عندما تكون المصلحة في جانبهم يستبيحون لأنفسهم أن يستشهدوا بالآية والحديث، وإذا لم يكن الحق معهم يزيغون يميناً وشمالاً‏.‏‏.‏ هؤلاء يشكلون خطورة عظيمة‏.‏

هؤلاء نخاف منهم لأنهم لو كانوا على رقاب الناس فيا ويل الناس منهم ويا ويل الناس عندما يتسلطوا عليهم باسم القرآن والدين ويوضع السيف الإسلامي في غير موقعه يكون بذلك الهلاك العظيم، وبالتالي أقول‏:‏ نعم لن تعز هذه الأمة إلا بالتربية وإلا برجال ربُّوا على أساس الدين وعندما يكون أمثال هؤلاء على رقاب الناس، فسيكون أكبر نصر للأمة، لأنهم سيجمعون بين التربية وبين السيف ولن يضعوا السيف إلا في مكانه تماماً‏.‏

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق كل من بيده سلطان على هذه الأمة إلى الدين وأن يحكم بشرع الله مريداً بذلك وجه الله سبحانه وتعالى‏.‏

السؤال الثاني‏:‏

هل يمكن تربية جيل المستقبل في ظل الرفاهية والراحة والدعة والركون إلى الدنيا‏؟‏

الجواب‏:‏

على كل حال التربية بالخير والشر، والله تبارك وتعالى يربي عباده بالخير والشر، يربيهم بالنعمة حتى يأنسوا بها ويرتاحوا ويشكروا الله ويربيهم بالشر ‏{‏ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون‏}‏‏.‏

فالحمد لله الرب الحكيم سبحانه وتعالى الذي يربي عباده بالحسنة والسيئة والقائل‏:‏ ‏{‏ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون‏}‏‏.‏

فالبلاء والتربية ينبغي أن تكون بالخير والشر ابنك مثلاً الذي تريد أن ينشأ تنشئة صحيحة لابد أن تعامله بالحسنة والشدة، اتركه يتحمل بعض المشاق وكذلك يجب أن تنعم عليه وتحسن إليه وتكفي حاجاته وهكذا، وليس معنى التربية بالشدة أن نبحث عن المشاكل ونركبها هذه ليست تربية، وهذا الأمر أخّر الدعوة، أرأيت لو يُسر لك الحج راكباً فلا داعي للتكلف والحج ماشياً، فإذا كان الأمر ميسراً لا بأس به، ولا ينبغي أن نتكلف ‏{‏وما أنا من المتكلفين‏}‏‏.‏

كذلك لا ينبغي أن نهجم على البلاء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏[‏لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا‏]‏‏.‏

هل نفتعل المشاكل لكي نقع فيها وبعد ذلك نبحث عن حل لها‏؟‏ هذا من قلة العقل وقلة الفقه، بل أقول‏:‏ لا شك أن مجالات التربية مع النعمة عظيمة جداً، أنعم الله عليك نعمة فابذل منها في سبيل الله، هذه تربية لنفسك أنك تمنعها عن الشح والبخل وتنفق في سبيل الله‏:‏ زيارتك لمريض، سعيك في نفع إنسان، هجرتك في سبيل الله للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، تحملك بعض المشاق، فهذا مجال العطاء مع الراحة مجال عظيم جداً، مجال مفتوح، تريد أكثر من هذا الحمد لله ثغور مفتوحة للمسلمين في كل مكان، هذه أفغانستان‏!‏ هذه فلسطين‏!‏ هذا البلاء على المسلمين من كل مكان‏!‏ إذا كان الناس في أرض مثل الكويت ليس بها بلاء فهل تقول‏:‏ يا رب هات البلاء لكي نتربى ‏(‏وأقول الآن لقد حل بالكويت بلاء لا يكاد يوجد مثيل له، وأحمد الله أن شباب الدعوة الإسلامية الذين تربوا على الكتاب والسنة ضربوا المثال الصالح في هذه المحنة العظيمة، والمجال ضيق الآن لشرح ذلك وهذا دليل بحمد الله أن التربية الإسلامية على منهاج الكتاب والسنة هي التي تعد الناس للقيام بالحق‏)‏‏؟‏ هذا جنون، فهؤلاء المسلمون يكفيهم البلاء وزيادة فلنشارك نحن، ومجال المشاركة مفتوح لتخفيف هذا البلاء عن المسلمين‏.‏

لكن بعض المسلمين من ضيق فقههم وعقلهم أنهم لا يفكرون إلا في المنطقة السكنية التي يعيشون فيها، فما دام لا يوجد بلاء في المنطقة السكنية التي هو فيها فيكون معناه أنه لا يوجد مجال للتربية، الله الله‏!‏‏!‏

هل تريد أن يحل البلاء في كل بيت من بيوت المسلمين لكي نتربى‏؟‏ هذا ضعف عقل وضعف فقه، الأمة فيها من البلاء ما يكفيها، مجال الإنفاق ومجال البذل ومجال العطاء ومجال الجهاد في سبيل الله، مجال عظيم جداً وواسع جداً، وهو مبذول على امتداد الساحة الإسلامية فلنشارك إخواننا المسلمين، ولنخفف عنهم، ولنشد من أزرهم، وهذا مجال عظيم جداً للجهاد والدعوة وفعل الخير‏.‏

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم‏.‏

***********